صديق الحسيني القنوجي البخاري

34

فتح البيان في مقاصد القرآن

على أن خالصة مصدر مضاف إلى مفعوله ، والفاعل محذوف ، أي بأن أخلصوا ذكر الدار وتناسوا عند ذكرها ذكر الدنيا ، أو مصدر بمعنى الخلوص مضاف إلى فاعله ، قال مجاهد معنى الآية استصفيناهم بذكر الآخرة فأخلصناهم بذكرها ، وقال قتادة كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى اللّه ، وقال السدي : أخلصوا بخوف الآخرة . قال الواحدي : فمن قرأ بالتنوين في خالصة كان المعنى جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، والخالصة مصدر بمعنى الخلوص ، والذكرى بمعنى التذكر ، أي خلص لهم تذكر الدار ، وهو أنهم يذكرون التأهب لها ويزهدون في الدنيا ، وذلك من شأن الأنبياء وأما من أضاف فالمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، والخالصة مصدر مضاف إلى الفاعل والذكرى على هذا المعنى الذكر . قال ابن عباس أخلصوا بذكر دار الآخرة أن يعلموا لها وقيل : ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا . وهذا شيء قد أخلصهم به ، فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [ مريم : 50 ] قاله النسفي ، وفيه بعد . وقال ابن جزي : معناه إنا جعلناهم خالصين لنا أو خصصناهم دون غيرهم ، وأما الباء على الأول فهي للتعليل وعلى الثاني هي لتعدية الفعل انتهى . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ الاصطفاء الاختيار ، والأخيار ، جمع خير بالتشديد والتخفيف كأموات في جمع ميت مشددا ومخففا ، والمعنى إنهم عندنا لمن المختارين من أبناء جنسهم من الأخيار . وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ قيل وجه ذكره مفردا بعد ذكر أبيه وأخيه وابن أخيه للإشعار بأنه عريق في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير هنا . وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب ابن العجوز استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبىء . وَذَا الْكِفْلِ اختلف في نبوته ولقبه ، وهو ابن عم اليسع أو هو بشر بن أيوب بعثه اللّه بعد أبيه ، وسماه ذا الكفل وكان مقيما بالشام حتى مات ، وعمره خمس وسبعون سنة ، وقد تقدم ذكر اليسع . والكلام فيه في الأنعام ، وتقدم ذكر ذي الكفل والكلام فيه في سورة الأنبياء ، والمراد من ذكر هؤلاء أنهم من جملة من صبر من الأنبياء وتحمل الشدائد في دين اللّه ، أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يذكرهم ليسلك مسلكهم في الصبر . وَكُلٌّ أي كل المتقدمين من داود إلى هنا مِنَ الْأَخْيارِ الذين اختارهم اللّه سبحانه لنبوته واصطفاهم من خلقه هذا ذِكْرٌ إشارة إلى ما تقدم من ذكر أوصافهم الناطقة بمحاسنهم ، أي هذا ذكر جميل في الدنيا ، وشرف يذكرون به أبدا ، جملة جيء بها إيذانا بأن القصة قد تمت ، وأخذ في أخرى .